الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي
248
شرح ديوان ابن الفارض
يقول لولا روائح تلك الحضرات لما اهتديت إلى الأسماء الحسنى والصفات العليا ، فإن تلك الآثار الحاملة لذلك السر المصون فاحت روائحها فعطرت الأكوان ، وما حرم من شمها إلا المزكوم عن الإدراك والتحقق ببدائع العلوم وفنون الفهوم ، وقوله سناها ، كنى به عن نور العقل الإنساني فإنه ضوء البرق الروحاني . والبرق الروحاني كناية عن الروح الآمري الذي هو كلمح بالبصر ، وقوله ما تصوّرها الوهم ، يعني لولا عقلها النوراني الذي هو ضوء برق الروح الإنساني لما أثبت الوهم لهذه المدامة المكنى بها عن الحقيقة الجامعة الوجودية الإلهية صورة ذهنية فإنها لا صورة لها في نفسها . اه . ولم يبق منها الدّهر غير حشاشة كأنّ خفاها في صدور النّهى كتم [ المعنى ] « الدهر » قد يعدّ في الأسماء الحسنى والزمان الطويل والأبد الممدود وألف سنة . وقوله « لم يبق » بضم الياء وسكون الباء من أبقى . و « الحشاشة » بضم الحاء بقية الروح في المريض والجريح . و « الخفاء » الكتم والإظهار فهو من الأضداد . و « النهى » بضم النون جمع نهية بمعنى العقل . و « الكتم » بفتح الكاف بمعنى الستر والإخفاء . والظاهر أن الخفاء هنا بمعنى الإظهار وإلا فيلزم تشبيه الشيء بنفسه . وهذا مأخوذ من قولهم الشيء إذا جاوز حدّه انعكس إلى ضده ، كما نص عليه المحققون ، ومنه قول الشهاب السهروردي : يا نور النور ويا خفيا من فرط الظهور . ( ن ) : قوله منها ، أي هذه المدامة المذكورة يعني في بصائر المكلفين بأحكامها وذلك لاستيلاء الغفلات على قلوب أكثرهم . وقوله الدهر ، المعني به هنا زخارف الدنيا وزينتها الشاغلة للقلوب الغافلة والعائقة عن النهوض إلى شهود تجليات الحق تعالى فيها . وقوله غير حشاشة ، المعنى في ذلك أن الدهر المكنى به عن الزخارف الباطلة والزينة العاطلة لم يترك في قلوب أكثر العباد حشاشة روحانية وبقية روح أمرية . وقوله خفاها بالقصر لضرورة الوزن والأصل خفاءها والضمير للمدامة المذكورة . وقوله كتم الكتم هنا ترشيح للاستعارة ، يعني أن خفاء تلك الحقيقة عند العقول البشرية يشبه خفاء الأسرار وكتمها في صدور الذين أوتوا العلم الإلهيّ . اه . فإن ذكرت في الحيّ أصبح أهله نشاوى ولا عار عليهم ولا إثم [ المعنى ] « ذكرت » على البناء للمجهول والضمير للمدامة . و « النشاوى » جمع نشوان ، وهو السكران . يقال نشوان بين النشوة بفتح النون ، وحكى يونس كسرها . قوله « ولا عار عليهم » أي بسكرهم من ذكرها لأنهم لم يقترفوا ذنبا ولم يتعاطوا إنما فيما يظهر والعار